الثلاثاء، 11 مايو، 2010

الثورة المعلوماتية و انعكاساتها على القانون

الثورة المعلوماتية وانعكاساتها على القانون:

ملاحظات حول قانون رقم 05/53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية*

م.بوطريكي

أستاذ بالكلية المتعددة التخصصات بالناضور

تحمل تكنولوجيا الإعلام و الاتصال وعودا في كل المجالات، من فضائلها: إدخال السرعة إلى ما هو بطيء، و المرونة فيما هو ثقيل و الانفتاح فيما هو مغلق.

تشكلت المعاملات القانونية تاريخيا حول الورق، فكان و لا يزال التوقيع و الإثبات يتم عبر الورق ، فجاءت التكنولوجيات الجديدة في هذه السنوات الأخيرة لقلب ثقافة الورق هذه كأول دعامة للعلاقات بين المتقاضين و شركاء العدالة ، فمع ظهور التلغراف و آلة الكتابة، عدلت بالضرورة مناهج العمل التي كانت تتمحور حول ثقافة القلم[1].غير أن هذه التقنيات المدمجة اليوم في الممارسة القضائية ، لم تثر أسئلة و لم توقظ مناقشات مشوقة كما أثاره ظهور التكنولوجيات الجديدة في مجال القانون.هكذا دخلت القانون العهد الرقمي خاصة منذ دخول قانون05/53 الصادر في 30 نونبر 2007المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية حيز التنفيذ[2].

و يندرج هذا القانون في إطار مسعى سياسي عام يهدف من جهة إلى تشجيع ولوج المغرب إلى تكنولوجيا الإعلام و الاتصال، ومن جهة أخرى للاستجابة لتطلعات المتعاملين المتعطشين للسرعة و الفعالية في النظام القانوني.فانطلاقا من هذه الانشغالات أدرج المشرع المغربي تكنولوجيا الإعلام و الاتصال في المعاملات القانونية. ويثير تطور المساطر و إنشاء طرق جديدة لمعالجة و تحويل المعطيات و تحقيق لا مادية المعلومات أو التوقيع الإلكتروني تساؤلات و صعوبات مشروعة. لقد شكل قانون رقم 05/53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية رهانا أساسيا بالنسبة للممارسة القضائية و ما هو إلا مقدمة لعبور المجال المدني و التجاري بالخصوص إلى العالم الإلكتروني.

لقد جاءت التقنية لتعدل المنظور الذي يتموقع فيه القانون، ومن ثم لا يمكن الاستمرار في النظر في هذا الأخير بنفس الطريقة: إذ تتغير العلاقات بين المتقاضين و شركاء العدالة و بين المواطنين و القانون يفتح الطريق أمام عدالة جديدة لأنها إلكترونية. إن المستقبل الذي يقدمه استعمال التكنولوجيات الجديدة في المجال القانوني يبدو مشجعا شريطة مراقبة اندفاعها: إن الأمن القانوني يجب أن يكون في قلب الاهتمام فيما يخص مسألة معرفة ما إذا كان يمكن للمعاملات القانونية أن تصبح لا مادية كليا في يوم من الأيام و ما إذ كانت ستتم عبر الإنترنت. هل ستؤدي المزايا التي يحدثها استعمال التكنولوجيات الجديدة في تبادل المعطيات القانونية إلى مجتمع" الكل الإلكتروني"؟.

بالإضافة إلى هذه الإشكالية العامة المتعلقة بالآفاق المستقبلية لاستعمال التكنولويات الجديدة في مجال القانون ، فإن هناك العديد من الأسئلة التي يجب أن تقود تفكيرنا: هل تعتبر المزايا المنتظرة من هذه الأدوات متلائمة مع المبادئ الأساسية للمسطرة المدنية و قواعد أخلاقيات المهن القضائية؟ بأي طريقة يمكن أن يضمن استعمال التكنولوجيات الجديدة السرية و تمامية و وثوقية محرر إلكتروني؟ هل تعتبر الميكانزمات التقنية للمصادقة الالكترونية الضامنة لأمن المبادلات الرقمية فعالة و تستحق الثقة التي يضعها فيها القانون الجديد؟

إن استعمال التكنولوجيات الجديدة في مجال تبادل المعطيات القانونية من أجل تجاوز الصعوبات المتعلقة بالبطء و بعض أوجه عجز النظام القضائي يبدو في الوقت الحالي حلا سيستفيد منه كل المتدخلين في المعاملات القانونية. ويمكنهم أن يستخلصوا من استعمال هذه الأساليب مزايا حسية في مجال الفعالية و الإنتاجية و السرعة. فإلى أي حد استجاب قانون رقم 05/53 لهذه الانشغالات.

للإجابة على هذه الإشكالية سنتطرق في المطلب الأول لمضمون القانون وفي المطلب الثاني نتناول حدود هذا القانون.

المطلب الأول: مضمون قانون05/35 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية

إن تطور وسائل الاتصال الحديثة عبر الشبكات المفتوحة التي من أهمها الإنترنت واكتساحها كل الميادين وكل الأماكن (الإدارة، المدرسة، البيت، المؤسسة...) بما جعلنا نتحدث عن التجارة الإلكترونية والاقتصاد اللامادي أجبر المشرع على التدخل لتطوير قواعد الإثبات بما يجعلها تتلاءم مع متطلبات مجتمع المعلومات والاعتراف بالوثيقة اللامادية أو الإلكترونية وتنظيمها كوسيلة من وسائل الإثبات وخاصة إضفاء الحجية عليها بما يزرع الثقة فيها لدى مستعمليها ليواكب بذلك التطور التكنولوجي في مجال التنمية التكنولوجيا بصفة عامة، والتجارة الإلكترونية بصفة خاصة.

إن القانون يتطور و المجموعة القانونية أصبحت عالمية، و القوانين المحلية تتأثر بشكل يومي بقوانين أخرى و أصبحت المقارنات بين مختلف التشريعات ممكنة، ومن ثم لم يتجاهل المشرع المغربي الإمكانيات المفتوحة من قبل التكنولوجيات الجديدة، وعمل على السماح للجميع على استعمال التكنولوجيات الجديدة بشكل قانوني. فتدخل فأصدر القانون رقم 05/ 53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية وهو أول تشريع مغربي يهتم بتنظيم المعاملات الإلكترونية يركز على التوقيع الالكتروني باعتباره القاسم المشترك في المعاملات الإلكترونية وينظم المعاملات الإلكترونية وإضفاء الشرعية القانونية عليها[3].

ويوضح هذا القانون قدرة المشرع على الأخذ بعين الاعتبار التطورات التقنية لمجتمع الإعلام و الاتصال ، و يذهب هذا القانون بعيدا فيما يخص الإثبات عن طريق التكنولوجيات الجديدة ، فمن جهة فقد عدل مقتضيات قانون الالتزامات و العقود المتعلقة بالإثبات الورقي (الفرع الأول) مؤكدا على متطلبات الأمن القانوني( الفرع الثاني).

الفرع الأول:قبول الدليل الالكتروني

بتبني قانون05/53 المتعلق بالتبادل الالكتروني بتاريخ30 نونبر 2007، كان المشرع المغربي يطمح إلى ملائمة القواعد الحالية لقواعد الإثبات مع متطلبات المجتمع الإلكتروني الذي لا يزال في طور التعميم.هكذا و بإعلانه أن المحرر الالكتروني ستكون له نفس حجية الإثبات، يكون قانون 05/53 قد نجح في هذا الخصوص في إضافة صنف جديد من المحررات، ألا وهو المحرر الالكتروني، الذي يجمع الكل على تسميته بالمحرر الالكتروني أو الدليل الالكتروني. فبقبوله أن الدليل الإعلامي و الدعامة الورقية يوجدان على قدم المساواة ، أنشأ المشرع جهازا جديدا للإثبات( الفقرة الأولى) حاسما في الوقت نفسه في مشكل تنازع الحجج (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الاعتراف بالمحرر الإلكتروني كوسيلة إثبات

كان الهدف الأساسي لقانون 05/53 تحويل الحجج الإلكترونية إلى حجج في المقام الأول بتنصيصه على أن المحرر الالكتروني يقبل كحجة على غرار المحرر المنشأ على دعامة ورقية. و في هذا الصدد تنص المادة 417/1 من قانون05/53 على أن:" تتمتع الوثيقة الإلكترونية المحررة على دعامة إلكترونية من قوة توازي قوة الإثبات التي تتمتع بها الوثيقة المحررة على الورق شريطة أن يكون بالإمكان التعرف بصفة قانونية على الشخص الذي صدرت عنه وأن يتم التعرف على الشخص الموقع و يعبر عن قبوله للالتزامات الناتجة عن الوثيقة الإلكترونية".

وهو نفس الاتجاه الذي يأخذ به القانون الفرنسي في المادة 1316/3 من مدونة القانون المدني و القانون النموذجي للتجارة الالكترونية الذي وضعته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية حيث ساوى بين المحررات الالكترونية والمستندات الورقية[4].

من خلال هذا النص يتضح أن المشرع المغربي قد أعاد تعريف المحرر مع فصله كليا عن دعامته وجعله مستقلا عنها، و يسمح هذا القانون باستهداف مجموع المحررات و إدماج الوثائق الإلكترونية كيفما كانت التكنولوجيا المستعملة (الحياد التكنولوجي) [5]، كما جعل قبول المحرر الإلكتروني كوسيلة إثبات خاضعا لشرطين ، فمن جهة يجب التأكد من هوية الشخص الذي صدرت عنه ، ومن جهة أخرى تكون معدة و محفوظة وفق شروط من شأنها ضمان تماميتها.

و" تقبل للإثبات بنسخ الوثيقة القانونية المعدة بشكل إلكتروني متى كانت الوثيقة مستوفية للشروط المشار إليها في الفصلين 417/1 و417/2 وكانت وسيلة حفظ الوثيقة تتيح لكل طرفا الحصول على نسخة منها أو الولوج إليها [6]".

فالوثيقة الالكترونية أصبحت تتمتع من قوة توازي قوة الإثبات التي تتمنع بها الوثيقة المحررة على الورق[7] ، فعلى غرار المشرع الفرنسي (الفصلين 1316-1 و1316-3 من القانون المدني) أشار المشرع المغربي صراحة إلى مبدأ المساواة بين المحرر العادي والمحرر الإلكتروني من حيث الحجية، فالمهم إذن ليس شكل النسخة ورقيا كان أو إلكترونيا وإنما الأهم في نظر المشرع هو التأكد من أخذ تلك النسخة وحفظها بوسائل تضمن سلامتها من كل تغيير قد يدخل عليها[8].

إن القانون لم يحدد المتطلبات الدقيقة لحجية المحررات القانونية التي يمكن أن تتعرض بكل سهولة للتلاعب،فالمشرع لم ينص إلا على شرطين هشين: أن يتم التعرف على هوية صاحبها و أن يتم حفظها،في حين أن النص الفرنسي و الذي استوحى منه المشرع المغربي هذا القانون يحيل إلى مرسوم لتحديد المتطلبات التقنية الضرورية للاعتراف بحجية المحررات الإلكترونية.

إن النظام القانوني المغربي للإثبات الذي يرتكز على هيمنة الكتابة لم يكن ملائما مع المعاملات الإلكترونية، فجاء قانون رقم 05/53 ليوسع مفهوم المحرر بفصله كليا عن دعامته الورقية التي كان يرتبط بها تقليديا معدلا بذلك قواعد القانون المدني.كما وسع القانون مفهوم الإثبات بواسطة الكتابة ليتم إدماج الوثائق الإلكترونية . و تبقى نقطة أساسية ألا وهي تنازع الحجج.

الفقرة الثانية تدبير تنازع الحجج

إن الهدف من تنازع الحجج بين الأساليب التقليدية للإثبات هو ضمان أولوية الدليل الكتابي، غير أن بمجرد الاعتراف أن النوعين من المحررات لهما نفس الحجية ، فإنه يجب حسم التعايش بين هاتين الوسيلتين للإثبات. فقد تعترض القاضي بعض الصعوبات المتعلقة بتنازع الحجج، فما هو الحل في صورة التضارب بين وثيقة ورقية ووثيقة إلكترونية؟ ونفس السؤال يطرح في صورة التنازع بين وثيقتين إلكترونيتين، فما هي القواعد القانونية أو القرائن المادية التي تمكن القاضي من الترجيح بين هذه الحجج المتضاربة؟

في المقام الأول لا يفوق أي شكل من أشكال المحررات الآخر، وفي المقام الثاني ،فإن التنازع لا يبدو من السهل حله مقدما إذ يجب التمسك بالمحرر الأكثر مصداقية وهو ما نصت عليه المادة 417 من قانون الالتزامات و العقود بالطريقة التالية: "إذا لم يحدد القانون قواعد أخرى ولم تكن هناك اتفاقية صحيحة بين الأطراف ، قامت المحكمة بالبث في المنازعات المتعلقة بالدليل الكتابي بجميع الوسائل وكيفما كانت الدعامة المستعملة" .

وأهم ما يستنتج من هذا النص أن القاضي المغربي لا يرجح بين الحجج المتنازعة اعتمادا على شكلها أو وسيلة حفظها، فلا فرق في هذا المجال بين المحرر الورقي والمحرر الإلكتروني، وإنما المعيار الوحيد هي عناصر المصداقية التي يبحث عنها القاضي بكل الوسائل.

كما يمكن للأطراف أن يفصلوا مقدما هذه المسألة عن طريق الاتفاق من أجل تفضيل أحد المحررات عن الآخر مثلا تفضيل التوقيع الالكتروني عن التوقيع اليدوي أو العكس. و بذلك يكون المشرع المغربي قد حسم في مسألة غاية التعقيد، ألا وهي مسألة تعارض الحجج.

فالأهمية الأساسية للمعادلة بين المحررين هو إدخال الدليل المعلوماتي في نظام الإثبات التقليدي دون إعطائه مكانة خاصة تكون أقل من الطرق الأخرى للإثبات فليس هناك ما يضر بوحدة قواعد الإثبات أكثر من توجيه أحد أنظمة الإثبات ضد الآخر، أحدهما قديم و الآخر حديث. و تؤدي هذه المماثلة إلى أمرين: فمن جانب يجب أن يقدم الدليل الالكتروني على الأقل نفس الضمانات التي يقدمها الورق ، ومن جانب آخر يجب أن يكون من الممكن تطبيق القواعد الحالية المصاحبة للدليل الورقي في جميع تفصيلاتها على الدليل الإلكتروني، و هو ما يتحقق مع منهج المصادقة الالكترونية [9]التي يبدو أنها تجمع كل الشروط الضرورية التي تقدم نفس الضمانات التي يقدمها الورق.

فالمشرع المغربي و على غرار العديد من التشريعات المقارنة أعطى المحرر الالكتروني نفس مفهوم المحرر الورقي وساوى بينهما من حيث الحجية في الإثبات في القضايا المدنية والتجارية ، وبذلك يكون قد رفع القانون 05/53 الاعتراف بالمحررات الالكترونية في الإثبات إلى مصاف القواعد العامة على أساس استيفائها متطلبات الأمن التقني مطورا بذلك القواعد القانونية التقليدية من خلال التعديلات التي أدخلها على مجموعة من النصوص الواردة في قانون الالتزامات والعقود لتشمل طبيعة المعاملات الالكترونية سعيا منه على عدم فصل واستقلال التبادل الالكتروني عن باقي التبادلات التجارية الأخرى[10].

وفي نفس الاتجاه عمل هذا القانون على تطوير الأحكام القانونية القائمة و ابتداع أحكام جديدة في ميدان إبرام العقود وإثباتها ، حيث اعتبر العقد الإلكتروني عقدا كباقي العقود يخضع في تنظيمه للقواعد و الأحكام العامة التي تحكم العقود بصفة عامة من حيث التراضي و المحل و السبب و اقتران الإيجاب بالقبول و تلاقي إرادة الطرفين المتعاقدين. و يتميز العقد الإلكتروني بعدم حضور طرفيه مجلس العقد مما يجعل منع عقد بين غائبين و يتم عن طريق الحاسوب و عبر الإنترنت، كما انه لا يطرح أية خصوصية بشأن السبب و المحل ، غير أنه أثار جدلا فقهيا بخصوص التراضي انتهى باعتبار أن جهاز الحاسوب مجرد و سيلة يسخرها لتوصيل إرادة المتعاقد للمتعاقد الآخر .

من خلال قانون 05/53 أوضح المشرع المغربي قدرة القانون على للأخذ بعين الاعتبار للتطورات التقنية لمجتمع الإعلام ، ويذهب هذا القانون بعيدا فيما يخص الإثبات عن طريق التكنولوجيات الجديدة ، فمن جهة فقد عدل مقتضيات قانون الالتزامات و العقود المتعلقة بالإثبات الورقي بإضافة مواد وضعت المحرر الورقي و المحرر الإلكتروني على قدم المساواة من حيث الحجية.

غير أن مصداقية الوثيقة الإلكترونية وحجيتها ترتبط بصورة أساسية بوثوقية منظومة إحداث التوقيع الإلكتروني والتدقيق فيه.فكيف عالج قانون05/53هذه المسألة.

الفرع الثاني: الانشغال بمتطلبات الأمن القانوني

إذا كان يمكن لاستعمال التكنولوجيات الجديدة أن يحل بعض الصعوبات المتعلقة بالبطء ، إذ أن تعديل مناهج العمل يؤدي إلى تعديل لصالح المتعاملين في المجال المدني و التجاري ، ويمكن أن يحصلوا من استعمال هذه المساطر عن مزايا عدة في مجال الفعالية و الإنتاجية و السرعة، فإن استعمال هذه التقنيات الجديدة يجب أن يتم بطريقة آمنة، فرغم أن لها مزايا السرعة و الفعالية و ربح الوقت ، فإنه يجب أن لا نضحي بأمن المعاملات الوثائقية و سرية الوثائق.

من أجل ذلك و لضمان هذه الأخيرة في أمننا القانوني نص المشرع على منهج لحفظ المعاملات، وذلك بالتنصيص على ضرورة اللجوء إلى تقنية لتأمين التبادل الالكتروني للمعطيات القانونية: التشفير و آلية المصادقة الإلكترونية عن طريق اللجوء إلى شركات مقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية. إن اللجوء إلى الغير للمصادقة يبدو أنه يقلص أيضا من مخاطر التزوير.

الفقرة الأولى: التشفير: أساس أمن التبادل الالكتروني للمعطيات القانونية

التشفير علم يدرس مبادئ ووسائل و مناهج تحويل المعطيات بهدف إخفاء محتواها و منع تعديلها أو استعمالها غير المشروع وكذلك العمليات العكسية لجعل الوثيقة مفهومة من جديد[11].

يراد بوسيلة التشفير كل عتاد أو برمجية أو هما معا ، ينشأ أو يعدل من أجل تحويل معطيات سواء كانت عبارة عن معلومات أو إشارات أو رموز استنادا إلى اتفاقيات سرية أو من أجل إنجاز عملية عكسية لذلك بموجب اتفاقية سرية أو بدونها

ويرتكز التشفير على استعمال مفاتيح تستخدم في تحديد الأطراف الأكثر حساسية في الاتصال اللامادي.

هذا و تصنف أساليب التشفير إلى صنفين :

التشفير المتماثل أو الأحادي أو ذو المفتاح الواحد: في هذا النظام نفس المفتاح يستعمل للتشفير من ناحية ولفك التشفير من ناحية ثانية.

لكن الإشكالية بالنسبة لهذا النظام تتمثل في إيجاد وسيلة موثوق بها لتبليغ المفتاح للطرف الموجهة إليه الوثيقة الإلكترونية المشفرة حتى يتمكن من الإطلاع على فحواها.

إن هذه الصعوبة المتعلقة بتداول المفاتيح هي التي أدت إلى ظهور نظام ثان للتشفير يعرف بالتشفير الثنائي: وفي هذا النظام يستند التشفير إلى مفتاحين، مفتاح خاص ومفتاح عام .

يكون المفتاح الخاص تحت السيطرة المطلقة لصاحب التوقيع الإلكتروني الذي يتعين عليه توفير شروط السلامة لحماية المفتاح من مخاطر استعماله من طرف الغير خاصة بعدم الكشف عنه لأي شخص آخر، وهذا المفتاح يستعمل لتشفير الوثائق وإمضائها.[12]

في حين أن المفتاح العمومي كما يدل عليه اسمه هو مفتاح يمكن لكل شخص الإطلاع عليه واستعماله للتأكد من أن الإمضاء المضمن بالوثيقة الإلكترونية هو صادر عن الشخص المنسوب إليه التوقيع. بصورة عملية إن المفتاح العام يكون محفوظا على دعامات إلكترونية عمومية تضمن إمكانية الولوج إليه أو محفوظ لدى أحد مزودي خدمات المصادقة الإلكترونية. لهذا فإن التوقيع الالكتروني يتفوق على التوقيع التقليدي بالنظر إلى أن استيفاء من شخصية صاحب التوقيع يتم بشكل روتيني في كل مرة يتم فيها استخدام الرقم السري أو المفتاح الخاص، وبالتالي فإنه لا مجال للانتظار حتى يحدث النزاع للبحث في مدى صحة التوقيع كما هو الشأن في أغلب الأحوال بالنسبة للمحررات الموقعة بخط اليد[13].

إن هذه المفاتيح تشكل تلقائيا التوقيع الالكتروني و تسمح بالتأكد من هوية المرسل مادام أن المفتاح الخاص يستخدم في تشفير الرسالة و المفتاح العام في فك هذه الشفرة. هكذا تبدو هواجس اللاأمن مقلصة ، بحيث لا يمكن الولوج إلى الملفات غير المادية من طرف شريك وحيد و باستقلال عن الآخر و لا يمكن فحص الوثيقة و التأكد منها و منازعتها إلا بمساعدة المفتاحين الممزوجين، حيث يوضع الملف في صندوق افتراضي لا يمكن فتحه إلا بهذه المفاتيح.

وتهدف وسائل التشفير التي تعتبر من أهم أدوات التوقيع الالكتروني[14] على الخصوص إلى ضمان سلامة تبادل المعطيات القانونية بطريقة إلكترونية أو تخزينها أو هما معا ، بكيفية تمكن من ضمان سريتها وصدقيتها ومراقبة تماميتها[15].

إن هذه التقنية تضمن احترام سرية تبادل الوثائق و المراسلات مع التأكد من شخصية و هوية المستعملين ، فبفضل التشفير، فإن التصرف اللامادي يستحيل تحريفه أو تدميره ، و أخيرا فإن اللجوء إلى الغير للمصادقة يبدو أنه يقلص أيضا من مخاطر التزوير، إذ أن هؤلاء الأغيار هم وحدهم الذين يتوفرون على ذاكرات كبيرة تحفظ الأدوات المشفرة.

وبطريقة برغماتية تفصل المصادقة الالكترونية في مخاوف مشروعة لتحديد و التأكد من صاحب التصرف و تمامية المحتوى بتوفير لا مادية التصرفات بشكل آمن و قانوني ، و يبدو أن الرهان أساسيا مادام أنها تبدو أداة متطابقة مع قواعد الإثبات: فالتصرفات اللامادية يكون لها حجية بمجرد التأكد من هوية الشخص الذي صدرت عنه من جهة ، ومن جهة أخرى أن يتم ضمان تماميتها.

الفقرة الثانية: تدخل شركات المصادقة الإلكترونية

إن شهادة المصادقة الالكترونية باعتبارها آلية قانونية لنزع الصفة المادية للتصرفات له أهمية بالغة بالنسبة للمستعملين، بالفعل فالضمانات التي يقدمه الورق تعتبر معروفة: الوحدة ، الاستمرارية، إمكانية وضع التوقيع على نفس الدعامة المادية و نص الالتزام، و يبدو أن المصادقة توفر هذه المتطلبات. فمن أجل أن يتم التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية بطريقة مؤمنة و أن يتم حماية حجية هذه المعاملات نص القانون رقم 05/53 على ضرورة تدخل جهات يطلق عليها شركات مقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية و التي تقوم بتسليم شواهد إلكترونية تسمح بإبحار مؤمن على الويب مادام أنها تسمح بتحديد هوية المستعمل. وهو ما يعطي للمتعاقدين الثقة في تبادل المعطيات باستعمال شواهد إلكترونية مسلمة من طرف شركات تستعمل تقنيات التشفير.

فلضمان حجية الوثائق الإلكترونية نص المشرع على ضرورة تدخل شخص ثالث خارجي يقوم بعملية المصادقة الإلكترونية يضمن شخص تحديد صفة و شخص المرسل، وعليه يقع عبء إثبات أن زبونه هو صاحب التوقيع أم لا. كما أنه يقوم بدور الوسيط بين المتعاملين لتوثيق معاملاتهم الالكترونية، بالإضافة إلى إصدار شهادات التوثيق بتحديد هوية المتعاملين في المعاملات الالكترونية، وتحديد أهليتهم القانونية للتعامل والتعاقد، والتحقق من مضمون هذا التعامل، وسلامته وكذلك جديته وبعده عن الغش والاحتيال. كما يقوم أيضا بإصدار المفاتيح الالكترونية سواء المفتاح الخاص الذي يتم بمقتضاه تشفير التعاملات الالكترونية، أو المفتاح العام الذي يتم بواسطته فك التشفير[16].

وحسب المادة 21 من قانون05/53 فإنه يجب على شركات مقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية أن تلتزم:

- بضمان صحة البيانات المضمنة بشهادة المصادقة.

- حفظ الشهادات الإلكترونية .

- مراقبة صحة الإمضاء وسلامته.

-المحافظة على سرية المعلومات .

- إسداء النصيحة لأصحاب التوقيع الإلكتروني.

-احترام سرية الحياة الخاصة .

-تقديم المعلومات الكاملة والمبينة.

-التأكد من هوية الشخص الذي سلمت له الشهادة الإلكترونية.

إن التأكد من التوقيع من طرف المرسل إليه بواسطة المفتاح العام يسمح له بالكشف عن هوية صاحب الرسالة و التأكد من صحتها في الوقت نفسه، ومع ذلك ، فإن المرسل إليه لن يكون متيقنا من أن صاحب الرسالة هو فعلا صاحب المفتاح العام المحول إليه من طرف صاحب الرسالة، لذلك كان من الضروري تكملة هذا النظام بشهادة معترف بها تسمح بإقامة رابطة بين الشخص و مفتاحه العام على غرار جواز السفر الذي يربط بين الصورة و هوية الشخص و التوقيع اليدوي.

إن شهادة المصادقة الإلكترونية هي جواز سفر افتراضي يسمح بجعل العلاقة بين هوية الشخص و المفتاح العام لها طابعا رسميا. فعلى غرار جواز السفر الذي تصدره الدولة ، فإن هذه الشهادة يصنعها و يوقع عليها من طرف جهات ذات مصداقية و محل ثقة.

إن الشهادة الرقمية أداة هوية إلكترونية حقيقية تسمح للمستعملين على الإنترنت بتبادل آمن للمعطيات و ضمان سرية المعاملات.

إن سلطة المصادقة هي العنصر المفتاح للثقة في لامادية التصرفات و المبادلات ، فهي جهة تملك دورا جد مهم في نظام الإثبات مادام أنها مكلفة بمراقبة إتمام المبادلات الالكترونية و حفظ آثارها ، وهذه الجهة هي الشاهد الذي يحسن نوعية الدليل، وهي تندرج كليا في منطق ضمان أمن تحويل الرسائل على الشبكات بدون تدخل في محتوى المبادلات و تقديم الأدلة التي لا يمكن رفضها[17].

وهذه الشركات يرخص لها و تعتمد من قبل السلطة الحكومية إذ تنص المادة 15 من قانون 05/53على أن يعهد إلى السلطة الوطنية المكلفة باعتماد و مراقبة المصادقة الإلكترونية باقتراح معايير الاعتماد على الحكومة و اتخاذ التدابير اللازمة لتفعيله، وهذه السلطة يمكنها بالخصوص اقتراح مختلف الخدمات المتعلقة بالأمن و المراقبة . فحسب المادة 15 من القانون موضوع التعليق ، فإنه يعهد إليها بالمهام التالية:

-اقتراح معايير نظام الاعتماد على الحكومة واتخاذ التدابير اللازمة لتفعيله .

-اعتماد مقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية ومراقبة نشاطهم.

و قد عبر عن هذه السلطة بالسلطة الوطنية دون أن يحددها [18]غير أن السلطة المختصة في هذا المجال هي الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات وهي مؤسسة عمومية أحدثت بموجب قانون 24-96 المتعلق بالبريد و المواصلات ، وهو ما يطرح مسألة الدور الذي سيسند لوزارة العدل ، بالإضافة إلى ذلك ، فإن الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات هي جهاز حكومي غير محايد، لذلك كان من الأفضل أن ينص المشرع على أن يكون هذا الجهاز مستقلا و محايدا و مشكل بطريقة متوازنة من ممثلي الممونين و المستعملين و التجار و الخبراء و الممارسين.

عندما نفحص قانون رقم 05/53 ، نلاحظ أن يركز على أمن التدابير التقنية التي سيتم استعمالها من طرف الأطراف في مجال التصرفات القانونية لإعطاء حجية للمحررات الإلكترونية ، فالقانون يؤطر التطورات التكنولوجية مع التركيز على الأمن الذي يجب ضمانه .فهل تعتبر الميكانزمات التقنية المتعلقة بالمصادقة الإلكترونية و التي تضمن أمن المعاملات الرقمية موثوق بها و تستحق الثقة التي يضعها فيها بعض رجال القانون؟ هذا ما سنتناوله في المطلب الثاني.

المطلب الثاني: حدود قانون رقم 05/53

إذا كان القانون رقم05/53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية قد جاء بإضافات جديدة في مجال قواعد الإثبات بما يجعلها تتلاءم مع متطلبات مجتمع المعلومات والاعتراف بالوثيقة الإلكترونية وتنظيمها كوسيلة من وسائل الإثبات وخاصة إضفاء الحجية عليها بما يزرع الثقة فيها لدى مستعمليها، إلا أنه هناك حدودا تطرح أمام التبادل الالكتروني للمعطيات القانونية ، و هي حدود مرتبطة بالأساس باستعمال الإعلاميات .

إن استعمال التكنولوجيات الجديدة لا تصلح لأي شيء بدون تكوين و بدون معرفة استعمالها بشكل جيد، بل و يمكن الذهاب أبعد من ذلك بالتأكيد أن هذا الاستعمال ليس له أي فائدة إذا لم نكن نتوفر على أدوات فعالة و تكوينا ملائما للولوج إليها . فبعض هذه المشاكل ترتبط بعمل الأدوات الإعلامية )الفرع الأول(وهو ما يطرح أسئلة بشأن استمرارية التصرفات القانونية و حفظها)الفرع الثاني (وهي أسئلة تشكل واقعا منتقدا. كما يطرح التطبيق الملموس لهذا القانون بعض المشاكل المرتبطة بمدى وثوقية الأنظمة و صحة المعلومات ، و لأن خدمات المصادقة الإلكترونية لا تزال في بدايتها أو لا تزل لم تر النور و تبقى موجهة جدا نحو المقاولات، بينما تعتبر البنيات التحتية المتعلقة بالمفاتيح العمومية التي يتم بواسطتها التشفير معقدة و مكلفة جدا و غير مستعملة في الوقت الحالي.

الفرع الأول: الحدود المتعلقة بهشاشة الأنظمة المعلوماتية وعدم التلاؤم بينها

سنتناول في هذا الفرع المشاكل المرتبطة بالبريد الالكتروني و الشبكات الرقمية (الفقرة الأولى) ثم نتطرق بعد ذلك للمشاكل المرتبطة بالأنظمة المعلوماتية( الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى: هشاشة الرسائل و الشبكات الإعلامية

للتأكد من صحة التبادل الالكتروني، فإن المرسل يجب أن يتوفر على دليل لتسجيل هذا التبادل ، أي تحويل ووصول المعطيات للمرسل إليه.

هل يمكن لرسالة مرسلة أن تشكل دليلا كافيا؟

إن الجواب لا يمكن إلا أن يكون سلبيا ، إذ انه لا احد يجهل أن الرسالة الالكترونية يمكن تزويرها بسهولة و أن الشبكات الاعلامية يمكن أن تكون مشوشة بفعل شخص يبحث عن التسلية أو من مقرصن حقيقي خاصة أمام الهجوم الكاسح للفيروسات. و يمكن بسهولة تعديل الرسالة الالكترونية و تحريف هوية مرسلها، لذلك سيكون من الصعب أن تجذب قناعة القاضي إذا نازع الطرف الآخر في محتواها[19].

إن هذا النوع من الرسائل لا يمكن اعتباره إلا بداية نحو دليل كتابي نظرا لهشاشته أمام مخاطر تعديل محتواه، وعلى العكس وحده المحرر الورقي المقدم من طرف المرسل إليه أو من الغير المكلف بالمصادقة يسمح بضمان سلامة هذا التحويل.

إن استعمال الرسائل الالكترونية لتبادل المعطيات القانونية يطرح إذن مشاكل فيما يخص اللاأمن، لذلك يبقى تأطير الرسائل الالكترونية ضروريا للاستفادة بشكل أفضل من الايجابيات التي يمكن تقدمها في مجال ربح الوقت و الإنتاجية . كما يجب أيضا مواجهة عدم تطابق الحبكات المعلوماتيةlogiciels و أنظمة الأجهزة التي تسمح بالولوج إلى الإعلاميات.

الفقرة الثانية: عدم التلاؤم بين الحبكات و الأنظمة المعلوماتية

يشهد عالم الإعلاميات تنافسية شديدة ، سواء على مستوى الأجهزة أم على مستوى الحبكات الإعلامية، فعلى المستوى الأول ، فقد حقق التكنولوجيا تطورا ملموسا ، إذ تتجه الصعوبات الموجودة مثلا بين عالم Macintosh و عالم PC نحو الاختفاء شيئا فشيئا ، مادام أن النماذج الجديدة للحواسيب تصنع حاليا للاستعمال المزدوج.

ومع ذلك يبقى المشكل مطروحا و لفترة طويلة مع الآلات المستعملة قبل هذه التعديلات.بالإضافة إلى ذلك لا تزال الحواجز التقنية المرتبطة بالربط بين الأنظمة الجد قوية كبيرة جدا ما دام أن هذا يسبب عدم تلاؤم بين كل الأدوات .

وعلى مستوى الحبكات المعلوماتيةlogiciels ، فإن معالجتها تؤدي إلى تعقيدات لأنها يمكن أن تكون غير متلائمة من نظام الاستغلال للحاسوب المستعمل. يضاف إلى ذلك أن تعدد المصنعين يجعل مختلف الحبكات المعلوماتية غير متوافقة بينها[20]. و ليس من غير الممكن أن نفرض نوعا واحدا من هذه الحبكات على المستعملين لأن المنافسة هو حق لا يمكن التطاول عليه. بل إن لجنة الأمم المتحدة من أجل تنمية التجارة الإلكترونية و المنظمة العالمية للتجارة أوصت المشرعين الوطنيين بالحياد التكنولوجي على مستوى القوانين.

وتوضح هذه الصعوبات مرة أخرى أن التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية يصطدم بحواجز تقنية و التي يجب على المهنيين حلها حتى يكون استعمالها فعالا: فالإعلاميات لا يجب أن تصبح مصدرا للبطء في حين أنها على العكس تستعمل من أجل الإسراع.

مشكل آخر يرتبط بالتاريخ ، ففي مجال الإعلاميات ، فإن التاريخ المشار إليه في الرسالة لا يمثل أية ضمانة مادام أنه من السهل تعديل التوقيت الداخلي للحاسوب.لذلك فمن الضروري اللجوء إلى خدمات توقيت الرسائل تستعمل أنظمة تسمح بتحقيق التطابق الدائم للقرص الصلب مع مواقيت مرجعية من أجل ضمان تاريخ التصرفات القانونية الإلكترونية.

الفرع الثاني: الصعوبات المتعلقة بحفظ المحررات الالكترونية

رغم الإنجازات التقنية الهائلة في مجال الحبكات المعلوماتية و أنظمة التخزين الإعلامي ، فإنه في العديد من الحالات فإن الدعامة الورقية تبقى هي الوسيلة الفعالة لحفظ الأرشيف، وفي هذا الصدد يجب اعتبار الإعلاميات كوسيلة فعالة لتدبير التدفقات و لكنها لاتزال لم تثبت فعاليتها في حفظ الوثائق الإلكترونية، سواء على مستوى وسيلة الحفظ أم على مستوى مدة الحفظ.

الفقرة الأولى: على مستوى وسيلة حفظ الوثيقة الإلكترونية

تملك المحررات الورقية إيجابيات كثيرة مادام أنها تسمح في الوقت نفسه بتسجيل المعلومة و تدبيرها و تحويلها و حفظها في الأرشيف و بالتالي تقديمها كحجة. و هذه الصفات غير موجودة في المحررات الالكترونية خاصة فيما يخص الحفظ على اعتبار أن الولوج و الإطلاع المباشر على الوثائق يتطلب نوعا من الدينامكية من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن الحفظ في الأرشيف و تدبير الأدلة يتطلب نوعا من الثبات و الاستقرار وعدم إمكانية التعديل.

إن المشرع المغربي لم ينص على وسيلة لحفظ الوثائق الإلكترونية، وهو ما نستشفه من خلال الفصل 440 والذي جاء فيه : "تقبل للإثبات نسخ الوثيقة القانونية المعدة بشكل إلكتروني متى كانت " الوثيقة مستوفية للشروط المشار إليها في الفصلين 1- 417 و 2- 417 وكانت وسيلة حفظ الوثيقة تتيح لكل طرف الحصول على نسخة منها " أو الولوج إليها ".

والهدف من ذلك أن المشرع من خلال صمته أراد أن يشمل حفظ الوثائق الإلكترونية جميع وسائل حفظ الوثيقة الإلكترونية الموجودة منها وتلك التي ستظهر في المستقبل خاصة وأن ميدان الحفظ الإلكتروني للوثائق هو في تطور مستمر ومثل هذا السكوت يؤمّن مواكبة النص لذلك التطور دون حاجة إلى تنقيحه وهو أحد المظاهر الإضافية لتكريس مبدأ الحياد التكنولوجي الذي يبرز على مستويات مختلفة منها شكل الوثيقة وكذلك تبادلها وحفظها.

ومن ناحية ثانية من يضمن أن الوسائل الفنية المتوفرة اليوم لقراءة فحوى الدعامات الإلكترونية سوف تبقى متوفرة بعد عشرات أو مئات السنوات؟ لا شك أن تطور تقنيات الإعلامية مبني على التناسق والتجانس والوسائل الأكثر حداثة قادرة على التعامل مع المنظومات القديمة[21] إلا أن تاريخ تطور وسائل الإعلامية يثبت أن بعض المنظومات للحفظ ظهرت واضمحلت وبالتالي لا يمكن اعتماد مثل هذه الدعامات المهددة بالزوال أو المهددة وسائل الولوج إليها بالاضمحلال لحفظ الوثائق الإلكترونية لأنها لا توفر الدرجة المطلوبة من الوثوقية. ترتبط القوة الثبوتية للمحرر الإلكتروني بشرط حفظه في ظروف تضمن تماميته، إلا مسألة هذا الحفظ لم يتم حلها.

مهما كانت الوسيلة المستعملة لحفظ الوثيقة الإلكترونية فإن المشرع يشترط أن تؤمن تلك الوسيلة إمكانية قراءة الوثيقة المحفوظة والرجوع إليها عند الحاجة[22]. في حقيقة الأمر إن هذين الشرطين هما بديهيان لأن الهدف من الحفظ هو إمكانية قراءة الوثيقة والرجوع إليها عند الحاجة لاستخراج نسخة منها قصد الإدلاء بها لدى من له النظر أو الاستظهار بها في نزاع قضائي وهذا الجانب هو عنصر مشترك بين حفظ الوثيقة الإلكترونية وحفظ الوثائق العادية.

و في بعض المجالات، يبدو أن الحفاظ على المعطيات تحت شكل رقمي يمكن أن يكون غير متلائما، فإذا كان يفترض في تصرف ما أنه لن يبقى في الحالة التي وجد عليها، فإن حفظ في الأرشيف لن تكون له أية أهمية.

كما أن هناك أيضا خطر مهم لتجاوز نظام التشفير و فقدانه لقيمته و الإمكانية التي يقدمها التقدم التكنولوجي لإعادة تحديد المفتاح الخاص انطلاقا من المفتاح العام. بالإضافة إلى ذلك يطرح مشكل الحفظ من طرف شركات مقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية، إذ يجب على هذه الأخيرة أن تقوم بحفظ و لأجل محدد ليس مجموع الوثائق و لكن فقط الشهادة المطابقة للتوقيع الإلكتروني المرتبط بالوثيقة الإلكترونية.

إن الحفظ في الأرشيف يجب أن يجعل هذه المعلومة مستقلة عن الأساليب الإعلامية التي أنشأت بها في الأصل بطريقة تضمن التأكد من الوفاء بالمطلوب أي قراءة الوثيقة قبل وبعد استعادة معطيات النظام الجديد[23]. إذ أن أهم هدف للحفظ هو تأمين سلامة الوثيقة الإلكترونية من كل تحريف أو تغيير أو إتلاف عفوي أو قصدي، إذ أن طبيعة الوثيقة الإلكترونية وخاصياتها تجعلها عرضة لمثل تلك المخاطر ولو نتيجة لخطأ غير مقصود في استعمال جهاز الإعلاميات. لذلك فإن وسيلة الحفظ يجب أن تؤمن بقاء الوثيقة على شكلها النهائي وتحميها من الأخطار السالفة الذكر.

وإلى جانب هذه الإشكالية نجد المشاكل المتعلقة بالشروط التي يتم بواسطتها حفظ المعطيات الالكترونية التي تهم معلومات شخصية أو حساسة. بالفعل ، فإن غياب أرشفة مثل هذه المعطيات لفترة طويلة أو غير مراقبة من شأنه أن يمثل خطرا حقيقيا على الحياة الخاصة وسكينة الأشخاص.

الفقرة الثانية: على مستوى مدة حفظ الوثيقة الإلكترونية

لم يتعرض قانون05/53 إلى تحديد مدة حفظ الوثيقة الإلكترونية، بل نص فقط في الفصل 417 الفقرة الأولى على أنه:" تقبل الوثيقة المحررة بشكل إلكتروني للإثبات ، شأنها في ذلك شأن الوثيقة المحررة على الورق ، شريطة أن يكون بالإمكان التعرف ، بصفة قانونية ، على الشخص الذي صدرت عنه وأن تكون معدة ومحفوظة وفق شروط من شأنها ضمان تما ميتها".

والتساؤل المطروح هنا بالنظر إلى أن بعض الوثائق كالعقود الإلكترونية (قياسا على العقود الكتابية) يحتفظ بها لمدة غير محدودة قد تبلغ عشرات بل مئات السنوات فهل أن الوسائل الفنية المتاحة حاليا لحفظ الوثائق الإلكترونية تؤمن ذلك لمدة غير محدودة؟ بالفعل ، فلسنا متأكدين ما إذا كنا سنستطيع قراءة وثيقة أنشأت منذ 10 سنوات وذلك بسبب غياب أنظمة معلوماتية تتلاءم و تلك الفترة.

تبدو الإجابة على هذا التساؤل صعبة في ظل تقنيات الحفظ الإلكتروني المتوفرة حاليا، فكل مستعمل لجهاز إعلامية لا يجهل أن مدة الحفظ على الأقراص الصلبة مثلا لا تتجاوز بضع سنوات وهي لا تؤمن الوثوقية المطلوبة لحفظ الوثائق الإلكترونية ومن ناحية أخرى ، فإن مصنعي الدعامات الإلكترونية بشتى أنواعها وإن كانوا يعلنون عن مدة صلاحية ووثوقية قد تتجاوز العشرين سنة و قد تبلغ مائة سنة بالنسبة لبعض الأقراص المضغوطة فإن لا أحد منهم يجرؤ على ضمان تلك الدعامات لمدة غير محدودة[24].

لذلك، فإن إشكالية حفظ المحررات الالكترونية في الأرشيف هي من أهم الحواجز التي تعترض تطبيق قانون 05/ 53المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية[25]. ذلك أن المحرر الالكتروني يرتبط بالحبكات المعلوماتية و الأجهزة القادرة على تفسيره و جعله مفهوما، و ينتج هن ذلك أن حفظ التصرف الذي يتم عن الطريق الالكتروني ليس بسيطا بسبب الابتذال السريع لهذه الأدوات مما يجعل القدرة على إعادة قراءتها مرة ثانية أمرا مشكوك فيه أو قد لا يتحقق.

و أمام صمت المشرع، يجمع الفقه [26]على الاعتراف بأن الأمر يتعلق بمشكل كبير في قانون المحررات الالكترونية. لذلك ، فإن هناك حاجة ماسة لتوضيح هذه الحقائق المرتبطة بتدبير الحجج في إطار احترام المقتضيات القانونية المتعلقة بحماية الحياة الخاصة و الحريات الفردية.

خاتمة:

في الأخير يمكن القول أن قانون رقم 05/53 يشكل المرحلة التشريعية الأولى لتشجيع تطور المملكة الرقمية و يكمن هدفه في تكييف التشريع المغربي مع تطور الاقتصاد الرقمي.

يشكل هذا القانون رهانا أساسيا بالنسبة للممارسات القانونية و ما هو إلا مقدمة لعبور القانون نحو العالم الإلكتروني، فجاءت التقنية لتعدل المنظور الذي يتموقع فيه القانون، ومنذئذ ، أصبح من غير الممكن النظر إلى القانون بنفس الطريقة: فالعلاقات بين المتعاقدين و شركاء العدالة و بين المواطن و القانون ستتغير وتفتح الباب أمام عدالة جديدة لأنها إلكترونية. لذلك ، فإن المستقبل الذي يفتحه التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية يبدو مشجعا.

في الممارسة ، فإن تطبيقات هذا القانون لن يكون له إلا تأثيرا ضعيفا على التجارة الإلكترونية على خلاف إنتظارات المتطلعين إليه. ذلك أن احترام الشروط التي وضعها القانون للاعتراف بالمحرر الإلكتروني يفترض أن يضع الممون مساطر تقنية ملائمة لحفظ و تأمين المعطيات التي تعكس عمليات التجارة الإلكترونية . وهذا يفترض تعميم التوقيعات على الإنترنت والتنفيذ الفعلي لشركات مقدمي خدمات المصادقة الإلكترونية، وهو ما سيؤدي إلى تكاليف إضافية و إلى الكثير من الشكليات، ومما لا شك في أن العمليات الصغيرة لن تتوافق مع هذه التعقيدات.



*مداخلة قدمت في اليوم الدراسي الذي نظمته الكلية المتعددة التخصصات بالناضور يوم28 مايو 2009حول موضوع "الثورة المعلوماتية و انعكاساتها على القانون".

[1] -Binet(S.), L’utilisation des nouvelles technologies dans le procès civil : vers une procédure civile intégralement informatisée ? Université lumière lyon 2 2005, p.4.

- ظهير شريف رقم 129-07-1 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 ( 30 نونبر2007 )بتنفيذ القانون رقم 05- 53[2] بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الجريدة الرسمية رقم 5584 الصادرة يوم الخميس 6 دجنبر2007. المتعلق

-امحمد برادة غزيول، قراءة في القانون المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية، ص.2.بحث منشور في الموقع: [3] http://jeunesavocatsdenador.com/abhath1.htm

- امحمد برادة غزيول، مرجع سابق،ص.22.[4]

-محمد أمين الرومي، التعاقد الإلكتروني عبر الانترنت، الطبعة الأولى، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 2004،ص.55.[5]

-أنظر المادة 5 من قانون 05/35 المتعلق بالتبادل الالكتروني للمعطيات القانونية.[6]

إبراهيم الدسوقي أبو الليل،إبرام العقد الالكتروني في ضوء أحكام الإماراتي و القانون المقارن، كلية الحقوق ،جامعة -[7] الكويت، بحث منشور في الموقع:

www.arablawinfo.com

- سمير حامد عبد العزيز الجمال، التعاقد عبر تقنيات الاتصال الحديثة، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية 2006، ص. 202. [8]

-أنظرالفقرة الثانية من هذا المطلب.[9]

- امحمد برادة غزيول، مرجع سابق،ص.5. [10]

[11] -www.Tout-savoir.net/lexique.php

[12]- ما هية التوقيع الالكتروني: دراسة في المفاهيم والتقنيات والمعايير وما له وما عليه

-egypt.com/doc/electronic.doc http://www.idbe

- غازي أبو عرابي،فياض القضاة، حجية التوقيع الإلكتروني،دراسة في التشريع الأردني، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية [13] و القانونية، المجلد 20، العدد الأول23004، كلية الحقوق، الجامعة الأردنية، ص. 45-

http://www.idbe-egypt.com/doc/electronic.doc- للمزيد من المعلومات حول عمل التوقيع الالكتروني راجع: [14]

-أنظر المادة 12من قانون 05/53[15]

- راجع المادة11 من قانون التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية.[16]

[17] -Breban( Y.) et Pottier( I.) , Sécurité, authentification et dématérialisation de la preuve dans les transactions juridique( 1er partie), La problématique juridique des échanges électroniques face à la preuve, Gaz.Pal 4 avril 1996.

-المادة15 وما بعدها من قانون05/53.[18]

[19]-Binet(S.), L’utilisation des nouvelles technologies dans le procès civil : vers une procédure civile intégralement informatisée ? Université lumière lyon 2 2005, p. 59.

[20] - Binet(S.), Op.cit., p.60.

[21] - http://www.afkaronline.org/arabic/archives/mai-juin2005/arafa.html

[22] -Ibidem

[23] -Froger (D.), Les contraintes du formalisme de l’archivage de l’acte notarié établi sur support dématérialisé,JCP ,N°12 mars 2004,p.464.

[24] -- http://www.afkaronline.org/arabic/archives/mai-juin2005/arafa.html

[25] - تنص المادة 417/1 من قانون الالتزامات و العقود على أنه " تقبل الوثيقة المحررة بشكل إلكتروني للإثبات،شأنها في ذلك شان الوثيقة المحررة على الورق،شريطة أن يكون بالإمكان التعرف بصفة قانونية،على الشخص الذي صدرت عنه و أن تكون معدة و محفوظة وفق شروط من شانها ضمان تماميتها وكانت وسيلة الحفظ تتيح لكل طرف الحصول على نسخة منها أو الولوج إليها. وهدف المشرع من عملية حفظ الوثائق إلكترونيا هو إمكانية قراءتها".

[26] - Linant de bellefonds (V. X.), Notaires et huissiers face à l’acte authentique électronique JCP N°10 , 2003 ,p.1196.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق